ابن العربي

355

أحكام القرآن

المسألة الخامسة - قوله تعالى : مِنْ نِسائِكُمْ : اختلف الناس في ذلك ؛ فقال الأكثر من الصحابة : إنّ المراد بذلك الأزواج . وقال آخرون : المراد به الجنس من النساء ، وتعلّق من قال : إنهن الأزواج بقوله تعالى « 1 » : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ . وقوله « 2 » : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ . وأراد الأزواج في الآيتين ، فكذلك في هذه الآية الثالثة ، وإذا كان إضافة زوجية فلا فائدة فيها إلا اعتبار الثيوبة ؛ قالوا : ولأنّ اللّه سبحانه ذكر عقوبتين : إحداهما أكبر من الأخرى ، وكانت الأكبر للثيب ، والأصغر للبكر . والصحيح عندي أنه أراد جميع النساء ؛ لأنه مطلق اللفظ الذي يقتضى ذلك وعمومه ، فأما الذي تعلّقوا به من آية الإيلاء والظهار فإنما أوقفناه على الأزواج ؛ لأن الظّهار والإيلاء من أحكام النكاح ؛ ألا ترى أنّ الإيلاء لما كان مجرّدا عن النكاح بأن يحلف ألّا يطأ امرأة أجنبية فوطئها يحنث إذا وطئها إذا تزوّجها ، وإنما وقف على الأجل في الزوجة رفعا للضرر . وأما قولهم : إنه ذكر عقوبتين فاقتضى أن يكون الأغلظ للأعظم والأقلّ للأصغر ، بناء منهم على أنّ الآيتين في النساء جميعا : إحداهما في الثيب ، والأخرى في البكر ، وهذا لا يصحّ ، وسيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى . وقد قال المحققون من علمائنا : إنّ الحكمة في قوله تعالى : مِنْ نِسائِكُمْ بيان حال المؤمنات ، كما قال تعالى « 3 » : وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ يعنى من المؤمنين . وقال تعالى « 4 » : ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ، ويفيد ذلك أنّ الحاكم لا يحدّ الكافرة إذا زنت ، وذلك يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى [ 126 ] . المسألة السادسة - قوله تعالى : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ : وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة ، قال تعالى « 5 » : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ . . . الآية . فشرط غاية الشهادة في غاية المعصية لأعظم الحقوق حرمة ، وتعديد الشهود بأربعة

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية 226 ( 2 ) سورة المجادلة ، آية 2 ( 3 ) سورة البقرة ، آية 282 ( 4 ) سورة الطلاق ، آية 2 ( 5 ) سورة النور ، آية 4